متحف الأرميتاج في سانت بطرسبرغ يُعد من أعظم كنوز روسيا الثقافية والفنية، وأحد أشهر المتاحف في العالم. يضم أعمال أعظم الرسامين والنحاتين عبر التاريخ، وبأعداد ضخمة يصعب رؤيتها جميعًا حتى بعد عشرات الزيارات. تجذب هذه المجموعة الضخمة مئات آلاف السياح سنويًا، ويعد تخصيص عدة أيام لزيارة المتحف أمرًا ضروريًا لاستكشافه بشكل كامل، فهو يُعد تحفة معمارية رائعة من الداخل والخارج.
الأرميتاج كلمة فرنسية تعني "مكان العزلة أو الخلوة". افتتح المتحف في 7 ديسمبر 1764 بمرسوم من الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية، التي اهتمت ليس فقط باختيار وترتيب المعروضات، بل أيضًا بروعة التصميم الداخلي والخارجي للمتحف. لمسات الإمبراطورة لا تزال واضحة للزوار حتى اليوم، مما يعكس الأناقة والفخامة التي أرادتها للمتحف.
في البداية، كان المتحف يضم مجموعة خاصة للإمبراطورة، تتكون من 317 لوحة فنية عالية القيمة تم نقلها من برلين، بقيمة تقدر بـ183 ألف تالر من الفضة. جاءت هذه المجموعة كتعويض من التاجر الألماني يوهان إرنست جوتزكوفسكي عن إخلاله بعقد مع الحكومة الروسية. شملت المجموعة لوحات لفنانين مشهورين مثل رامبرانت وروبنز، وبقي منها اليوم 96 لوحة فقط ضمن المجموعة الأصلية.
في القرن الـ18 والنصف الأول من القرن الـ19، لم يكن يُسمح للناس العاديين بدخول المتحف، وكان مقتصرًا على النبلاء والمقربين من البلاط الإمبراطوري. حتى الشاعر الروسي الشهير ألكسندر بوشكين لم يتمكن من الدخول إلا بعد وساطة خاصة. أصبح المتحف مفتوحًا لعامة الناس لأول مرة في عام 1852.
يعد الأرميتاج أكبر معرض فني في العالم وفق موسوعة غينيس للأرقام القياسية. يضم المتحف الرئيسي، القصر الشتوي، الأرميتاج الصغير، الأرميتاج الكبير (القديم)، الأرميتاج الجديد، المسرح، ومركز الترميم والتخزين، إضافةً إلى متحف مصنع الخزف الإمبراطوري. تمتد مساحته الإجمالية إلى 233 ألف متر مربع، ويحتوي على 365 غرفة مفتوحة للجمهور، تشمل قرابة 3 ملايين قطعة فنية، من العصر الحجري حتى القرن العشرين.
من أبرز اللوحات التي لا بد من مشاهدتها: "مادونا والطفل" لليوناردو دافنشي، "داناي" لتيتيان، "الرسولان بطرس وبولس" لجريكو، "الشاب والقيثارة" لكارفاجيو، و"عودة الابن الضال" لرامبرانت، إضافةً إلى "الرقص" لهنري ماتيس و"التكوين السادس" لفاسيلي كاندينسكي.
نعم، يحتوي المتحف على صالات مخصصة للشرق الأوسط القديم ومصر القديمة، حيث تعرض حضارات ما بين النهرين من سومر وآشور وبابل، والمنحوتات والفنون التشكيلية الصغيرة والأدوات المنزلية. كما يعرض قسم الفن العربي الإسلامي من ظهور الإسلام وبداية الخلافة، مع سيراميك وبرونز وأقمشة يزيد عمرها عن ألف سنة، إضافةً إلى مشغولات فولاذية دمشقية.
تم إخلاء المتحف ثلاث مرات للحفاظ على محتوياته من أعداء روسيا، أولها عام 1812 أثناء حرب نابليون، ثم عام 1917 عند استيلاء الألمان على ريغا، وأخيرًا في بداية الحرب العالمية الثانية. كما شهد المتحف سرقات وعمليات بيع بعد الثورة البلشفية عام 1917، وتم تجديد مجموعاته لاحقًا بعد الحرب العالمية الثانية واستعادة بعض الأعمال التي أخذت من متاحف برلين.
نظرًا لضخامة مجموعاته التي تتجاوز 3 ملايين قطعة، يشير بعض الخبراء إلى أنه قد يحتاج المرء إلى أحد عشر عامًا لمشاهدة كل قطعة دقيقة واحدة. لذلك، يُنصح بالاستفادة من الجولات الإرشادية أو التركيز على الأعمال الفنية التي تهم الزائر لضمان تجربة ممتعة ومتكاملة .