تُعتبر قلعة روملي حصار إحدى أبرز التحف التاريخية التي تركها العثمانيون على ضفاف البوسفور، وقد بناها السلطان الغازي محمد الفاتح عام 1452 قبيل فتح القسطنطينية. لم تكن القلعة مجرد حصن حربي، بل كانت مشروعًا استراتيجيًا ضخمًا نفّذه السلطان بنفسه لتأمين السيطرة الكاملة على مضيق البوسفور وقطع طرق الإمداد القادمة إلى الإمبراطورية البيزنطية من البحر الأسود. تتميز القلعة بموقع مذهل يسمح بإطلالة مباشرة على البوسفور، إضافة إلى تصميمها المعماري المهيب الذي يجذب آلاف الزوار يوميًا. كما تُعد رمزًا حيًا لقوة الدولة العثمانية وعزيمتها خلال أعظم مراحل توسعها، ما يجعلها واحدة من أهم الوجهات السياحية التي لا يمكن تفويت زيارتها في إسطنبول .
بدأ العمل في بناء القلعة في يوم الأحد 5 ربيع الأول لعام 856 هـ الموافق 26 مارس 1452م، وذلك بعد أن قرر السلطان محمد الفاتح تنفيذ خطة جديدة لفتح القسطنطينية بعد إخفاق محاولتين سابقتين خلال عهدَي بايزيد الأول ومراد الثاني. كانت القسطنطينية تعتمد بشكل كبير على المساعدات البحرية القادمة من مستعمرات جنوة والبندقية عبر البحر الأسود، ولذلك كان من الضروري قطع تلك الإمدادات. شُيدت القلعة في وقت قياسي مذهل لا يتجاوز ثلاثة أشهر ونصف فقط، حيث عمل في بنائها أكثر من خمسة آلاف عامل، وتم جلب الأخشاب من منطقة إزمير، فيما أشرف السلطان محمد الفاتح على مراحل البناء شخصيًا، في واحدة من أسرع عمليات التشييد العسكري في التاريخ.
تُظهر قلعة روملي حصار درجة عالية من الإبداع الهندسي الذي ميّز العمارة الحربية العثمانية في القرن الخامس عشر، حيث يصل ارتفاع أسوارها إلى 82 مترًا، بينما يتراوح سمك جدرانها بين 20 و35 قدمًا، بعضها مُغطى بطبقات من الرصاص المسكوب لزيادة مقاومتها. شُيّدت القلعة بشكل مذهل يعكس اسم النبي محمد ﷺ، في رسالة رمزية تعبّر عن الفتح المنتظر. وقد صمّمها المعماري مصلح الدين، الذي وضع خطة دفاعية متكاملة تضم أبراج مراقبة عالية وساحات واسعة ومسارات دفاعية، مما جعلها حصنًا منيعًا لا يمكن اختراقه بسهولة. حتى اليوم، لا يزال الزائر يشعر بعظمة البناء عند وقوفه أمام تلك الجدران الهائلة .
لم تكن القلعة مجرد واجهة دفاعية، بل كانت محورًا رئيسيًا في استراتيجية الفاتح العسكرية. فمنذ بناء أسوار القسطنطينية الأولى في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، كانت المدينة تتمتع بحماية قوية جعلت فتحها حلمًا صعبًا على القوى العسكرية. لكن السلطان محمد الفاتح أدرك أنّ ضعف المدينة يكمن في اعتمادها على الإمدادات البحرية من البحر الأسود. ومن هنا جاءت فكرة بناء القلعة في أضيق نقطة من البوسفور، مباشرة مقابل قلعة الأناضول، لتشكّل معًا كماشة حديدية تُخضع المضيق بالكامل للسيطرة العثمانية، وهو ما أدى لاحقًا إلى شلّ قدرة البيزنطيين على الصمود.
بعد اكتمال بنائها، وضعت المدافع الضخمة على أبراج القلعة المطلة مباشرة على البحر، وتمركز فيها نحو 400 جندي من نخبة الإنكشارية. جاءت اللحظة الفاصلة عندما حاولت سفينة تجارية من البندقية اختراق الحصار متجاهلة إشارات التحذير، فتم قصفها وغرقها، مما شكّل رسالة واضحة للعالم بأن المضيق أصبح تحت السيطرة الكاملة للعثمانيين، وأن الإمدادات لم تعد قادرة على الوصول إلى القسطنطينية. هذه الخطوة كانت من أهم العوامل التي أدت إلى سقوط المدينة بعد أشهر قليلة فقط.
تحولت القلعة، بعد قرون من الأحداث العسكرية، إلى موقع مفتوح للزوار يُبرز تاريخ إسطنبول الغني. توفر القلعة إطلالات ساحرة على البوسفور، وتحيط بها مقاهي ومطاعم تعتبر من أشهر أماكن الإفطار التركي في المدينة. المشي داخل أسوار القلعة يأخذك في رحلة زمنية إلى القرن الخامس عشر، بينما تمنحك الأبراج العالية فرصة لرؤية البوسفور من منظور استثنائي. كل هذا يجعل زيارتها تجربة مدهشة تجمع بين السياحة الطبيعية والتاريخية والثقافية في آن واحد.
تقع القلعة في منطقة ساريير على الساحل الأوروبي للبوسفور، ويمكن الوصول إليها بسهولة عبر خطوط النقل العامة. من السلطان أحمد يمكن ركوب الترام T1 إلى كاباتاش، ثم الحافلات المتجهة إلى روملي حصاري. ومن تقسيم، يُستخدم فونكلار F1 إلى كاباتاش، ثم الحافلات الساحلية. أما من بشكتاش، فيمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام خلال نصف ساعة تقريبًا عبر ممشى ساحلي رائع. كما يمكن لزوار الجانب الآسيوي الوصول إليها عبر العبّارات ثم المتابعة بالحافلة. هذا التنوع في طرق الوصول يسهّل على الجميع زيارتها.
تعود القلعة إلى منتصف القرن الخامس عشر، وكانت واحدة من أهم مشاريع السلطان محمد الفاتح قبل فتح القسطنطينية. وقد أدار عملية البناء ثلاثة قادة عثمانيين: كاندارلي خليل باشا، زغان باشا، وساريكا باشا، حيث تم تقسيم العمل بين فرق مختلفة تعمل على مدار الساعة. اكتمل البناء خلال أربعة أشهر و16 يومًا فقط، وهو إنجاز هندسي نادر لتلك الفترة. كما كانت القلعة مجهزة بمدافع ضخمة وقوة إنكشارية محترفة لضمان إحكام السيطرة على المضيق.
استكشاف الأبراج والساحات الداخلية للقلعة.
الاستمتاع بإطلالات بانورامية على مضيق البوسفور.
التقاط صور ذات طابع تاريخي وسط الجدران العثمانية القديمة.
زيارة المعارض والمعلومات التاريخية الموجودة داخل المتحف.
التجول في الحدائق والمناطق المحيطة بالقلعة.
صعود السلالم الحجرية للحصول على إطلالة أعلى وأوضح.
ساحل بيبيك القريب يعد أحد أجمل الوجهات للمشي على البحر والاستمتاع بحلوى الوافل الشهيرة. كما يمكن القيام بجولة بحرية مميزة على البوسفور، وزيارة حديقة أميرجان القريبة، أو تناول وجبات راقية في المطاعم الشهيرة قرب القلعة مثل "مطعم لقمة" و"مطعم نزيه". هذه التجارب تضيف للزيارة بعدًا ترفيهيًا كاملًا يجعل اليوم متكاملًا وممتعًا.
تُفتح قلعة روملي حصار للزوار من الخميس إلى الثلاثاء من الساعة 9:00 صباحًا حتى 7:00 مساءً، بينما تغلق أبوابها يوم الأربعاء.